الحث على لزوم عتبة الدعاء والتواضع وعدم الاغترار بالعمل

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عَنِ النبيِّ ﷺ، أنَّهُ كانَ يَدْعُو بهذا الدُّعاءِ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي وَجَهْلِي، وإسْرافِي في أَمْرِي، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذلكَ عِندِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ”.
«رَبِّ اغفِرْ لي خَطِيئتِي وَجَهْلِي»، أي: امْحُ ذُنوبي وما جَهِلتُهُ من أَفعالٍ سَيِّئةٍ، أو ما فعَلْتُهُ عنْ جهْلٍ منِّي بهِ.
«وإسْرافي في أَمْري كُلِّهِ» أي: واغْفِر لي ذُنوبي التي وقعتْ تَجاوُزًا عن قَصْد وغير قَصْدٍ.
«وَما أَنْتَ أَعلمُ بهِ منِّي»، أي: اغفِرْ لي ما تَعلمُ أنَّهُ يَستحِقُّ الغُفرانَ مِنَ الأُمورِ التي قَدْ لا يظُنُّها البَشرُ ذُنوبًا.
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطايايَ، وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»، أي: اغفِرْ لِي ما صدَرَ عنْ عَمْدٍ منِّي وعِلمٍ منَ الذُّنوبِ، وما صدَرَ عنْ عدمِ معرِفةٍ، وكَذلِكَ ما صدَرَ منِّي على طَريقِ الهَزْلِ والمِزاحِ.
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ»، أي: اغفِرْ لي ما سبَقَ مِن ذُنوبي في سابِقِ حَياتي، واغفِرْ ما يُمكنُ أن يَصدُرَ مني مِن ذُنوبٍ في قابلِ الحياةِ، وهَذا مِنْ حُسنِ الاستِعانةِ عَلى كلِّ الأُمورِ.
«وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ»، أي: اغفِرْ لي ما خَفِيَ وكانَ مَسْتورًا عنْ أعيُنِ الناسِ ولكنَّهُ لا يخفى على اللهِ، وما ظَهرَ مِنَ الذُّنوبِ.
وهذا اللُّجوءُ إِليكَ يا رَبِّ؛ لأَنَّكَ «أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
وكلُّ هذا دُعاءٌ بِغُفرانِ الذُّنوبِ والخَطايا معَ أَنَّهُ قدْ غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ، ولكِنَّهُ كانَ من بابِ الشُّكرِ للهِ عزَّ وجلَّ وتعليمًا لأُمَّتِه.

من عجيب أحوال ودعاء النبي ﷺ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبيُّ ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يقولُ: “سَمِعَ سامِعٌ بحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنا، رَبَّنا صاحِبْنا وَأَفْضِلْ عَلَيْنا، عائِذًا باللَّهِ مِنَ النّارِ”
كانَ النبي ﷺ إذا دَخلَ وَقْتُ السَّحَرِ وهو قُبَيل الصُّبحِ، يَقولُ: (سَمِعَ سامعٌ)، أي: لِيَسْمَعِ السّامعُ ولْيَشْهَدِ الشّاهدُ على حَمدِنا اللهَ سُبحانَه وتَعالى على نِعَمِه وحُسْنِ بَلائِه عَلينا؛ وذَلكَ أنَّه تَعالى أَنعَمَ علينا فَشكَرَنا، وابْتَلانا بِالمِحَنِ فصَبَّرَنا؛ لأنَّ كَمالَ الإيمانِ في الإنْسانِ أنْ يَكونَ صَبّارًا شَكورًا.
(ربّنا صاحِبْنا) فَمَنْ كان اللهُ مَعَه حَفِظَه وأعانَه.
(فَأفْضِلْ علينا)، أي: تَفَضَّلْ عَلينا بإِدامَةِ النِّعمةِ والتَّوفيقِ لِلقِيامِ بِحُقوقِها.
(عائذًا باللهِ مِن النّارِ)، أي أقولُ هذا حالَ استعاذِتِي واستجارتِي باللهِ تعالى من النار.
فخَتَمَ ﷺ ذلكَ الحمْدَ والشُّكْرَ باستِعاذتِه باللهِ تَعالى مِنَ النّارِ؛ تواضعًا للهِ تعالى وهضْمًا لنَفْسِه، ولِيجَمَعَ بينَ الخوفِ والرَّجاء تَعليمًا لأمَّتِهِ.

من جوامع كلم النبي ﷺ

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رَسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: “اللَّهُمَّ لكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بعِزَّتِكَ، لا إلَهَ إلّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الذي لا يَمُوتُ، والْجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ.
«اللهمَّ لكَ أسلمْتُ»، مِن الإسلامِ، والمُرادُ: الاستِسلامُ والانقيادُ للهِ.
«وبكَ آمنتُ»، مِنَ الإيمانِ، والمُرادُ: التَّصديقُ والإقرارُ باللهِ تعالى وبكلِّ ما أمَرَ بهِ وما نَهى عنه.
«وعليكَ توكَّلتُ»، أي: جَعَلَ كلَّ ما يُهمُّه في الدُّنيا مِن تدبيرِ وفرَج إلى اللهِ، وليسَ على أحدٍ مِن العبادِ.
«وإليكَ أنبْتُ»، والإنابةُ هي الطّاعةُ والرُّجوعُ للهِ في ذلٍّ وضعْفٍ.
«وبكَ خاصَمتُ»، أي: خاصمتُ كلَّ مَن يُعادِي اللهَ.
«اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بعزَّتِكَ- لا إلهَ إلّا أَنتَ- أنْ تُضلَّني»، أي: أعوذُ بارتِفاع قَدرِكَ على سائرِ المَخلوقاتِ، وتفرُّدِكَ بالأُلوهيَّةِ ألّا تَجعَلَ لأحدٍ عليَّ سَبيلاً فيكونَ سببًا في ضَلالِي، وابتِعادِي عن الطَّريقِ المُستَقيمِ.
«أنتَ الحيُّ الذي لا يَموتُ»، وهذا تَنزيهٌ للهِ عزَّ وجلَّ عن المَوتِ؛ لأنَّ الموتَ صِفَةُ نقْص.
«والجنُّ والإِنسُ يَموتونَ» تأكيدٌ منهُ ﷺ على أنَّ صفَةَ الحياةِ للهِ عزَّ وجلَّ وحدَه، حتّى إنَّ أرْقى المَخلوقاتِ لازِمٌ في حقِّها الموتُ.

حِرصُ السَّلفِ عَلى تَعلُّمِ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سُئِلَتْ عن دُعاءٍ كانَ يَدْعُو به رَسولُ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ يقولُ: “اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ ما لَمْ أَعْمَلْ”. (صحيح مسلم ٢٧١٦)
في هَذا الحديثِ التَّعوُّذُ من شَرِّ ما عَمِلَ الإنسانُ، ومِن شرِّ ما لم يَعمَلْ؛ فاستعاذَ النَّبيُّ ﷺ مِن شَرِّ عَمَلٍ يَحتاجُ فيه إلى العَفْوِ، ومِنْ أن يَعملَ في مُستقبلِ الزَّمانِ ما لا يَرضاهُ اللهُ؛ فإنَّه لا مَأمَنَ لِأحدٍ مِن مَكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، كَما قال تعالى: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ} [الأعراف: 99].

من السنن النبوية قبل النوم وأذكاره المشروعة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إِذا أَوى أَحَدُكُمْ إلى فِراشِهِ، فَلْيَأْخُذْ داخِلَةَ إِزارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بها فِراشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فإنَّه لا يَعْلَمُ ما خَلَفَهُ بَعْدَهُ على فِراشِهِ، فَإِذا أَرادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: باسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فاغْفِرْ لَها، وإنْ أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عِبادَكَ الصّالِحِينَ”. (صحيح مسلم ٢٧١٤).

من الأذكار المشروعة عند النوم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كانَ النبيّ ﷺ يَأْمُرُنا، إذا أَرادَ أَحَدُنا أَنْ يَنامَ، أَنْ يَضْطَجِعَ على شِقِّهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ يقولُ: “اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنا وَرَبَّ كُلِّ شيءٍ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ والْفُرْقانِ، أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ كُلِّ شيءٍ أَنْتَ آخِذٌ بناصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فليسَ بَعْدَكَ شيءٌ” (صحيح مسلم ٢٧١٣).

رضا الله عز وجل هو غاية كل مسلم

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها” (صحيح مسلم ٢٧٣٤).
سُبحانَ الله ما أَكْرَمَه! أَعْطى المَأْكولَ، وأَقْدَرَ على أَكْلِه، وجَعَلَه سائغًا، وساقَه إلى عَبْدِه، وأَوْجَدَه مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ أَقْدَرَه على حَمْدِه، وأَلْهَمَه قَولَهُ وعَلَّمَه النُّطْقَ به، ثُمَّ كان سَببًا لرِضائِه، وهَذا دَليلٌ على أنَّ رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ قد يُنالُ بأَدْنى سَببٍ؛ فإنَّه يُنالُ بِهذا السَّببِ اليَسيرِ ولِلهِ الحَمْدُ؛ يَرضى اللهُ عنِ الإنسانِ إذا انْتَهى مِنَ الأَكْلِ، قال: الحَمْدُ للهِ، وإذا انْتَهى مِنَ الشُّرْبِ قال: الحَمْدُ لِلهِ.

من الأذكار المشروعة عند النوم وفور الاستيقاظ

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “كانَ النبيّ ﷺ إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قالَ: اللَّهُمَّ باسْمِكَ أَحْيا، وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ وإذا اسْتَيْقَظَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَحْيانا بَعْدَ ما أَماتَنا، وإلَيْهِ النُّشُورُ”. (صحيح مسلم ٢٧١١).

من الأذكار المهمة قبل النوم

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ على شِقِّكَ الأيْمَنِ، وقُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَهْبَةً ورَغْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجا مِنْكَ إلّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بكِتابِكَ الذي أنْزَلْتَ، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإنْ مُتَّ مُتَّ على الفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ فَقُلتُ أسْتَذْكِرُهُنَّ: وبِرَسولِكَ الذي أرْسَلْتَ. قالَ: لا، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ.

استعاذة واحتماء النبي ﷺ بربه من أصول الشرور

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِن جَهْدِ البَلاءِ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القَضاءِ، وشَماتَةِ الأعْداءِ ”
«كان رسولُ الله ﷺ يتعوَّذ»، أي: يَلتَجِئُ ويَحتمِي باللهِ تعالى من أُمور
«جَهْدُ البَلاء»، وهو: أَقْصى ما يَبلُغه الابتلاءُ وهو الامتِحان، وذلك بأنْ يُصابَ حتّى يَتمنّى الموتَ.
«دَرَكِ الشَّقاء» كان ﷺ يَستعيذ مِن أن يَلْحَقَه أو يَصِلَه الشقاءُ، أو أنْ يُدرِكَ هو الشقاءَ والتَّعَبَ والنَّصَبَ في الدُّنيا والآخِرَةِ.
«سُوءِ القَضاء»، وهو ما يَسُوءُ الإنسانَ ويُحزِنه من الأَقْضِيَةِ المقدَّرةِ عليه.
«شَماتةِ الأعداء»، والشَّماتَةُ: الفَرَحُ، أي: مِن فَرَحِ العَدُوِّ، وهو لا يَفْرَحُ إلّا لِمُصِيبَةٍ تَنزِل بِمَن يَكرَهُ.

الاستعاذة بالله من كل شر

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ النبيُّ ﷺ، يَدْعُو بهَؤُلاءِ الدَّعَواتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ البُخْلِ، والْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ العُمُرِ، وَعَذابِ القَبْرِ، وَفِتْنَةِ المَحْيا والْمَماتِ”
أَرْذَلِ الْعُمُرِ: آخر العمر في حال الكبر والعجز والخَرَف.

الاستعاذة بالله من أصول الشرور

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: “اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ، والْكَسَلِ، والْجُبْنِ، والْهَرَمِ، والْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والْمَماتِ”