تأثر بالقرآن وابكِ فالخطاب لك

قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ النساء: 41-42

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ قالَ: قُلتُ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ قالَ: إنِّي أشْتَهِي أنْ أسْمعهُ مِن غيرِي قالَ: فَقَرَأْتُ النِّساءَ حتّى إذا بَلَغْتُ: {فَكيفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ، وجِئْنا بكَ على هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ النساء: ٤١ قالَ لِي: كُفَّ – أوْ أمْسِكْ – فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفانِ.

صحيح البخاري: ٥٠٥٥

الشرح والإيضاح

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
أي: فكيف تكون الحالُ يوم القيامة حين يأتي اللهُ تعالى مِن كلِّ أمَّةٍ بشَهيدٍ، وهم الأنبياءُ عليهم السَّلامُ، فيشهَدون على أُمَمِهم بأعمالِها, وتصديقِ رسلِها, أو تكذيبِهم، وتبليغِهم رسالةَ ربِّهم عزَّ وجلَّ؟.
(وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)
أي: وكيف تكون الحالُ أيضًا إذا شهِد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم على أمَّتِه بأنَّه بلَّغ رسالةَ ربِّه سبحانه؟
(يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ)
أي: حينها يتمنَّى مَن كفَر باللهِ تعالى وعصى رسولَه فلم يمتثِلْ أمرَه ولم يجتنِبْ نهيَه، أنْ لو تبتلِعُهم الأرضُ فيُدفَنونَ فيها ولا يَظْهَرون، ويكونون ترابًا منها، فلا يُحاسَبون.
(وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)
أي: إنَّهم يَعترفون بما فعَلوه، ويُقرُّون بما عمِلوه، وتَشهَدُ عليهم جوارحُهم بما كانوا يعمَلون.
المصدر:
https://dorar.net/tafseer/4/13

تلاوةُ القُرآنِ بخُشوعٍ والاستماعُ إليه ممَّا يؤثِّرُ في النُّفوسِ ويُعينُ على تدَبُّرِه، وقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتلو القرآنَ بنَفْسِه أحيانًا، ويَسمَعُه مِن أصحابهِ أحيانًا أُخرى.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طلب منه أن يقرَأَ عليه القُرآنَ، ويَستَمِع رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى تلاوتِه، فسأل عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كيف يقرَؤُه عليه، والحالُ أنَّ القُرآنَ قد أُنزِلَ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! قال: «أأقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟» فأجابه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنه يحِبُّ أن يسمَعَه من غيرِه، ويحتَمِلُ أن يكونَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَبَّ أن يسمَعَه من غيرِه؛ ليكونَ عَرْضُ القُرآنِ سُنَّةً، أو ليتدَبَّرَه ويتفَهَّمَه؛ وذلك أن المستَمِعَ أقوى على التدَبُّرِ، ونفْسُه أخلى وأنشَطُ لذلك من القارئِ؛ لاشتغالِه بالقراءةِ وأحكامِها.
فقَرَأ ابنُ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه على النبَّيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أوَّلِ سُورةِ النِّساءِ حتَّى بَلَغ قولَ اللهِ تعالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} النساء: 41، فطَلَب منه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يتوقَّفَ عن القِراءةِ، فتوقَّف ابنُ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه عن القراءةِ، ونظَرَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا عيناه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَذرِفان، أي: يَجْري دَمعُهما ويَسيلُ، قيل: بكاؤُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المُفَرِّطين في حَقِّ اللهِ عزَّ وجَلَّ، أو لعِظَمِ ما تضمَّنَتْه الآيةُ من هولِ المَطلَعِ وشِدَّةِ الأمرِ، أو هو بكاءُ فرحٍ لا بكاءُ جَزَعٍ؛ لأنَّه تعالَى جعل أمَّتَه شُهَداءَ على سائِرِ الأُمَمِ.
وفي الحَديثِ: الاستماعُ إلى قارِئ القرآنِ، ولو كان المُستمِعُ مِن حُفَّاظِه؛ اقتداءً بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واتِّباعًا لسُنَّتِه.
وفيه: أنَّ سَمَاعَ القرآنِ فيه ثَوابٌ كما في تِلاوتِه.
وفيه: البُكاءُ عندَ سماعِ القُرآنِ.
وفيه: الأمرُ بقَطْعِ تِلاوةِ القرآنِ للمَصْلَحةِ.
مصدر الشرح:
https://dorar.net/hadith/sharh/151144

تحميل التصميم